قصة حمزه

قصة حمزه

أنا هحكي من أول ما أتجوزت واكتشفت إني وجوزي عندنا مشكلة في الإنجاب، طبعًا عانينا كتير من كلام الناس ونظراتهم وجو الصعبانيات اللي الكل عارفها، ومسلمناش من كلام كتير زي اشتغلي عشان تشغلي وقتك، دا أنتي يا حرام لوحدك، طب بتتعالجوا؟، طب مفيش حاجة جاية في السكة؟ مش هقدر أنسى كلام حماتي في عيد جوازي الثالث لما قالتلنا أنا نفسي في حتة عيل بقى دي تالت سنة هستنى لحد إمتى؟، كان جوازي بينهار حرفيًا، وجوزي كل يومين بيكلمني في إننا ننفصل علشان نرحم نفسنا من زن الناس، لحد ما في يوم فكرت في التبني.

مكنتش أعرف إن الأوبشن دا متاح في مصر أصلًا، و لما فاتحت كذا حد في الموضوع قالولي إنه مفيش حاجة اسمها كدا التبني حرام! لكن لو هتكفلي طفل هتصرفي عليه و تزوريه بس لكنه هيفضل في الدار. حقيقي كنت قربت أيأس وبدأت أفكر فعلًا في الانفصال، على الأقل هبقى عزباء ومحدش هيفكر معندهاش ولاد ليه. لحد ما جه قدامي فيديو على يوتيوب لأسرة كويتية كفلت ابنها، واتفاجئت إنه في حاجة اسمها كفالة كاملة. وبدأت أدور على السوشيال ميديا في موضوع الكفالة لحد مالقيت إنه فعلًا في حاجة اسمها كفالة كاملة وموجودة في مصر.

بدأت أقرأ قصص الأمهات الكافلات ولقيت نفسي مع أكتر من أم، وبقينا أصحاب جدًا، كلموني كتير عن الكفالة وعن أبنائهم وبناتهم، وصارحوني بمشاعرهم قد إيه نبيلة وصادقة، وخلوني فعلًا أغير تفكيري تمامًا. كنت في البداية عاوزة أكفل عشان أخلص من زن الناس وأنقذ جوازي، لكنهم ساعدوني اقتنع إن الكفالة مش كدا، وإني لما أقرر أكفل لازم أكفل لإني فعلًا حبيت مبدأ الكفالة، حبيت فكرة أنك تنقذ طفل مالوش أي ذنب في أنه يعيش لوحده بدون بيت وأم وأب، حبيت فكرة إن الكفالة باب مضمون للجنة والكافل جار النبي في الجنة، حبيت فكرة إنه مش مهم الناس ومش مهم كلامهم أنا هكفل علشان ابني أو بنتي يعيشوا في حضني واتهنى بوجودهم. وفعلا كلمت جوزي وبدأنا إجراءات الكفالة.

الأول كنا خايفين لأنه الموضوع دخل فى تأمينات وحسابات وأوراق حكومية لكن كل خطوة كنا بنعملها كان بيبقى فيها بركة وتيسير من ربنا مش طبيعي، وكملنا لمدة شهرين بنخلص الإجراءات، وجت اللحظة المنتظرة، اتوافق علينا وأخدنا جواب المشاهدة، مش هكذب عليكم أنا كان نفسي يكون ليا بنت وكنت مختارة اسمها كمان ووضبت الأوضة لها برسومات وألوان بينك وكدا وروحنا دار الأورمان، واتكلمنا مع مديرة الدار اللي صدمتنا إنه مفيش بنات للكفالة دلوقتي أولاد بس. ببص لجوزي لقيت وشه اتغير وموده قفل وحسيته عاوز يمشي، لكني عملت نفسي مش واخدة بالي، ورجعت للمديرة وقولتلها عاوزة أشوف الأولاد، بصراحة رحبت بقراري جدًا، وجوزي عمال يزغدني بسبب اللي قولته وفي عينه كلام مش قادر يقوله: "إحنا مش قولنا هنجيب بنت".

دخلنا غرفة الاستقبال، وبدأت الأمهات في الدار تجيب الأطفال، وأنا قلبي بيدق بسرعة جدًا، حبايبي ملائكة سبع أولاد كل واحد فيهم مكملش أربع شهور. أنا حزت حزن مش طبيعي، إزاى الأطفال العسل البريئة دي تتساب؟ وحسيت إني عاوزة أروح بيهم كلهم وأحضنهم وأقولهم بحبكم ومش هتخلى عنكم، لكن رجعت للواقع ولقيت أنه للأسف القانون ومقدرتي ميسمحوش غير بكفالة طفل واحد، كل دا وأنا ناسية جوزي تمامًا، فبدور عليه لقيته قاعد على كرسي وشايل طفل من الأطفال وهو عمال يبكي، اتفاجئت، جوزي اللي مشفتوش بيبكي غير مرة واحدة طول أربع سنين جواز بيبكي في العلن قدام الناس! روحتله وطبطبت عليه وقولتله إنت حاسس بإيه؟ قالي نفس الإحساس اللي أنا حكيتهولكم، قد إيه حب الأطفال دول كلهم وحزن إنه مش هيقدر يساعدهم كلهم، بعدين مسح دموعه وباس الولد ورجعه للأم اللي كانت شايلاه، وشكر مديرة الدار وقالها أنا عامل حسابي على بنت أنا آسف، المديرة كانت ست محترمة جدًا قدرت قرارنا وعرفتنا عنوان فرع تاني للدار عندها معلومة إنه فيه ٣ بنات ممكن نختار بنتنا منهم، شكرناها وطلعنا على الفرع التاني. رغم مشاعر الحزن اللي انتابتنا في الدار إلا إننا كنا متحمسين جدًا، لأن حسينا إننا بنقرب جدًا من بنتنا وجايينلها في الطريق.

دخلنا الدار وإتكلمنا مع المديرة وشرحنالها الموقف وطلعنا نشوف البنات، ثلاث وردات أحلى من بعض، ثلاث شهور وأربع شهور وست شهور، حبيناهم جدًا وشيلناهم وحاولنا نعمل رابط مشاعر مع كل واحدة منهم، لكن حبايبي رغم حبي الشديد لهم إلا إني محستش إني أم لأي واحدة فيهم. بدأت أشك في نفسي وفي الكلام اللي أصحابي قالوهولي إني هحس أول ما أمسك الطفلة إنها بنتي، بدأت أتوتر وأبص لجوزي اللي فهمني من نظرة واحدة ولقيته بيقولي: "مش هناخد طفلة مش حاسيين أنها بنتنا لمجرد إننا نكفل وخلاص حتى لو هندور في دار تانية". المديرة أخدت بالها ولحقت الموضوع وقالتلنا طيب ماتشوفوا الولاد، قولنالها إحنا عاوزين بنت، لقيتها ردت بإبتسامة غريبة كدا وبكل ثقة اسمعوا بس الكلام. كنا يائسين جدًا ووافقناها يأسًا مننا فقط ليس إلا وعشان نرضي غرورها دا، بدأوا الأولاد يجيبوهم، ولدين عسل جدًا لكن نفس الكلام مش حاسة الإحساس اللي المفروض أحسه، بدأت عيني ترغرغ وهيعيط، وقمت وقولتلهم شكرًا وماشية كدا لوحدي مني لنفسي، لقيت جوزي مسك ذراعي ولف للمديرة وقالها دول كل الأطفال؟ قالتله: أيوه، قالها طيب إحنا آسفين إننا تعبناكم ولسة بيمشي لقينا واحدة من الأمهات خارجة ببطانية ملفوفة في ذراعها ومش باين منها أي أعضاء طفل، لا إيد ولا رجل و لا رأس بطانية كأنها فاضية، ولقيتها بتقول إلحقوا شوفوا مين كان مستخبي في السرير، وجابتلي البطانية حطيتها بين ذراعي، بكشفها وببص، اللهم بارك حبيبي.

لقيت أحلى حاجة شفتها في الحياة كلها، ابني، أول حاجة قلتها لما شوفته، وروحت قعدت بيه و عيني مش عاوزة تنزل من على وشه الصغنن اللي ملامحه مش باينه فيه من كثر ماهو صغنن جدًا، عمالة بكلم نفسي قدام الناس، عمالة بقول بلا وعي، أنا بحبك أوي، إنت ملاكي، أنا ماما يا حمزة، ومفوقتش غير بجوزي بيحضني وعمال يقول الحمدلله الحمدلله، لقينا ابننا، مكتوبلنا ومكتوبين له، قدرنا بقى واحد، وأسرتنا اكتملت، بقينا أب وأم.

حمزة كان صغنن جدًا، كان عنده ٧ أيام، وكان لازم نستنى لحد ما يتم تلات شهور علشان نقدر نأخده (قوانين الكفالة القديمة)، ثلاث شهور يا حمزة، ثلاث شهور والله العظيم عدوا عليا تلات سنين، كنت بزوره كل يوم، وبعيط كل مرة وأنا ماشية وسايباه لحد ما كل العاملين في الدار حفظوني، نزلت جبتله هدومه الصغنونة، وبدأت كورس إدارار اللبن مع دكتورة رضاعة علشان أقدر أرضعه، عرفنا أهلنا وبقينا نصوره ونبعتلهم صورة موبايلي كان معليهوش حاجة غير صور وفيديوهات حمزة.

لحد ماجه اليوم المنتظر يوم الاستلام، حضرت هدومه ورضعته ونزلنا ووصلنا الدار، هدخلها لوحدي لآخر مرة وهخرج منها بيك لأول مرة، فرحة متتوصفش، دقات قلب سريعة، حب من كتره عمال يدلدق على كل الناس وكل الحاجات، طلعت وشوفته أخيرًا، حضنته وهديت، أخيرًا مش هتسيب حضني تاني أبدًا، أخيرًا محدش هيقدر ياخدك مني ويقولي الزيارة خلصت، أخيرًا هترجع معايا وأشوفك وقت ما أحب، هتبقى قصاد عيني كل يوم وكل دقيقة وكل ثانية، أخدت ابني وبقى في حضني أخيرًاوروحنا وبدأ من اليوم دا أحلى فصل من فصول حياتي. ربنا يخليك ليا ويحفظك ويجعلك بار بيا وبأبوك ويجعلك سبب دخولنا الجنة.

بنحبك.