حكاية ياسمينة

حكاية ياسمينة

حكايتي بدأت من ٢٥ سنة، لما كنت في ثانوي أخدتنا مدرسة الرياضيات لدار أيتام، من يومها وأنا اتسحرت كل الأطفال دي من غير بيت ولا عيلة طيب ليه وإزاي. لما كان عندي ١٥ سنة عرفت إني عايزة أساعد الأطفال دول، وكنت عارفة إني أكيد في يوم هكفل مش عارفة إمتى وإزاي بس كنت متأكدة أنه هيحصل. عدت السنين وتخرجت من الجامعة، فضلت أزور نفس الدار وأتابع البنات وهما بيكبروا.

اشتغلت لأول مرة في ٢٠٠١، وفي نفس الوقت الدار طلبت متطوعين يكفلوا الأطفال الجديدة ماديًا، قررت أنه بأول مرتب ليا إني هتكفل بطفلة منهم، ومرت السنين وفضلت علاقتي بيها قوية مش هي لوحدها كمان مع ٧ بنات تانين كانوا معاها في نفس الأوضة، رغم ده كنت حاسة أن مهما كان كم الحب والفلوس والوقت اللي بنقضيه معاهم عمره ما هيكون زي بيت يحبهم وعيلة بتاعتهم، دايمًا قراراتهم في إيد حد تاني، وسط ال٨ بنات اتنين بس فضلوا يتوصلوا معايا وعلاقتي بيهم قوية، هما الاتنين عندهم دلوقتي ٢٠ سنة وبيدرسوا في جامعة القاهرة. أوقات كتير كنت بحاول كتير أكفل البنتين في البيت، بس كل مرة أسال وزارة التضامن الاجتماعي أو الدار أو أهلي كانوا بيرفضوا علشان صغيرة ومش متجوزة، كانوا دايمًا يقولوا "ليه وجع القلب كفاية اللي بتعمليه"، بس اللي كنت بعمله عمره ما كان كفاية بالنسبة لي، أنا كنت مخططة إني أكفل لما أتجوز وأخلف أول بيبي وأرضعهم مع بعض، بس ده محصلش، أنا دلوقتي عندي ٤٠ سنة ولسه متجوزتش ومبسوطة وفخورة بحياتي واختياراتي وكل التجارب اللي وصلتني للي أنا عليه دلوقتي.

بعد فترة اتغيرت الإجراءات وبقت في صالحي خلاص بقى متاح لي أكفل طفل لوحدي من غير جواز، خلاص هوفر لبنتي المستقبلية بيت وعيلة وحضن وأمان، كل الأطفال دي يستاهلوا حياة طبيعية زي الباقيين، وميستهلوش نعاقبهم ونتخلى عنهم لأنهم مختروش الطريقة اللي وصلوا بيها الدنيا.عرفت التعديلات الجديدة في مارس اللي فات من صفحة "اكفل طفل في بيتك Adaption story in Egypt" على فيسبوك، من وقتها وأنا متابعة رشا مكي صاحبة الصفحة، حبيت قصتها وعرفت أجيب رقمها وبدأت أتواصل معاها، حكتلها عن خوفي من التجربة، وسألتها أعمل إية، وإيه الأحسن ليا، قالتلي كل اللي أنا كنت محتاجة أسمعه.الفكرة رجعتلي تاني في يونيو، بالصدفة لقيت قدامي لينك لطلبات الكفالة اللي مقدمها وزارة التضامن أونلاين، أخدت القرار أخيرًا وقدمت أونلاين، وبدأت أدور على الورق المطلوب، وخلصت كل المطلوب في ٣٠ يونيو، كان مفروض اليوم ده يكون أجازة رسمية بس إتاجلت مش عارفة أنا محظوظة ولا ده مكتوب فعلًا.سلمت الملف بتاعي وكان ناقصه عقد الشقة، لأنها شقة جدي من التسعينات ومكنتش لاقية العقد، بس المسؤولين ساعدوني وكانوا متعاونين جدًا وخلوني أوقع على إقرار بتليغيهم بمكان سكني الجديد لو سبت البيت.

كل جاحة خلصت وباقي أصارح بابا، ودي أكتر حاجة كانت مخوفاني، كان في الوقت ده في الساحل، قررت أزوره في الأجازة، طبعًا "لاء" كان أول رد، بس أنا ميأستش وفضلت وراه ٤ أيام ولسه برضه رافض، كان خايف عليا من المسؤولية وقلقان عليا أتعب، ده غير أنه مش عايز قلبي يتوجع وأخسر حياتي اللي بحبها، ليه عايزة أكون أم لوحدها في الوقت اللي مسؤولية الأطفال حمل كبير على الأب والأم مع بعض، بس في آخر اليوم الرابع كان مفروض أرجع القاهرة علشان زيارة المشرفة الاجتماعية، وقتها بابا قالي "خلينا نستنى ونشوف إيه اللي هيحصل إن شاء الله"، ده معناه أنه مش رفض نهائي وفي أمل يوافق في الآخر، أنا متأكدة أنه هيوافق وهيكون أحسن جد لبنتي زي ما هو مع ولاد أخواتي.

يوم الأحد ٥ يوليو، المشرفة الاجتماعية كلمتني رحت مكتبها ودردشنا شوية وبعدين حددتلي معاد الزيارة هتكون الخميس الجاي، بعد كده عرفت إن تقرير الزيارة كان إيجابي وأن اللجنة بتاعتي هتكون يوم ١٥ يوليو، مكنتش مصدقة خلاص كمان أقل من ١٠ أيام هيكون معايا كل الورق وهقدر أكون أسرة. بدأت ألف على دور الأيتام اللي حواليا في القاهرة، شفت أكتر من ٧ بنات، أعمارهم من شهرين ونص لسنة وشهرين، بس بنتي مكنتش ولا واحدة فيهم، مكنتش موجودة في القاهرة أصلًا.من أسبوع جاتلي مكالمة من أم بديلة كانت بتدور على بنت زي، وقالتي أنها راحت السويس وشافت بنتين هناك، ومكنتش واثقة في قرارها، بعتتلي صورهم، وطلبت منها تصلي استخارة وتقرر، بعدها قررت تكفل واحدة فيهم وهي "مريم"، وسألتني لقيت بنتي ولا لسه، ولما عرفت أنه لسه اقترحت عليا أشوف البنوتة التانية، ساعتها افتكرت إني متأثرتش بصورهم اللي بعتتها، طلبت منها تبعت صور تانية، بعتتلي صورة لبنت زي القمر عيونها واسعة وبصتها بتخش قلبك علطول، وقتها قلبي دق ودخلته علطول، عرفت أن عندها ٢٧ يوم بالظبط، ده معناه أنها اتولدت يوم ٢٠ يونيو، اتخضيت لما افتكرت أنه اليوم ده حلمت ببابا صحبتي المتوفى بياخدني من إيدي على باب الجنة وقعدني جنب النبي في مكان محجوزلي.وافتكرت الحديث الشريف (قال صلى الله عليه وسلم: أنا وكافل اليتيم كهاتين في الجنة، وأشار بإصبعيه السبابة والوسطى).

أول ما افتكرت الرؤيا علطول سافرت السويس وشفت بنتي "غالية"، كان عندها شهر ومفروض استنى شهرين كمان علشان أقدر أخدها معايا في بيتنا.شهرين كاملين هفضل مستنية مواعيد الزيارة اللي هشوفها فيها، أطول شهرين في حياتي، والانتظار مموتتي حرفيًا، في الشهرين دول بدأت كورس الإرضاع الصناعي علشان أقدر أرضعها أول ما توصل. أنا مؤمنة أن الرضاعة بتخلق علاقة خاصة بين الأم والبيبي، ده غير أنها بتقوي الجهاز المناعي، بنتي تستاهل كل الحاجات الحلوة وأنا مستعدة لده، هعملها كل اللي نفسها فيها، كل اللي تستحقه هيكون موجود، أنا وعيلتي هنوفرها أفضل حياة نقدر عليها، غالية دلوقتي بقى ليها عيلة بتاعتها لوحدها للأبد، نورتي حياتنا يا غالية.